كيف تحمي نفسك من المرض المدمر الصامت






كيف تحمي نفسك من هشاشة العظام: دليل شامل للوقاية

هشاشة العظام هي حالة طبية تضعف فيها العظام وتصبح هشة وسهلة الكسر، لدرجة أن أي سقوط بسيط أو حتى مجهود خفيف مثل الانحناء أو السعال قد يتسبب في كسر خطير. تُعرف هذه الحالة باسم "المرض الصامت" لأنها تتطور دون أعراض واضحة إلى أن يحدث الكسر. لكن الخبر الجيد هو أن هشاشة العظام ليست حتمية مع التقدم في العمر، بل يمكن الوقاية منها باتباع استراتيجيات فعالة تبدأ من مراحل مبكرة من الحياة وتستمر طوال العمر.

فهم هشاشة العظام وأسبابها

لفهم كيفية الوقاية من هشاشة العظام، يجب أولاً معرفة كيف تعمل العظام. عظامنا هي نسيج حي يتجدد باستمرار؛ حيث يتحلل العظم القديم ويُستبدل بعظم جديد. حتى سن الثلاثين تقريباً، تكون عملية بناء العظام أسرع من هدمها، مما يزيد الكتلة العظمية. بعد هذا السن، تنعكس العملية، فتبدأ الكتلة العظمية في الانخفاض التدريجي. تحدث الهشاشة عندما يفوق معدل الهدم معدل البناء، مما يؤدي إلى عظام أضعف وأقل كثافة.

هناك عوامل خطر تزيد احتمالية الإصابة، بعضها لا يمكن التحكم فيه مثل التقدم في السن، والجنس (حيث تكون النساء أكثر عرضة بعد انقطاع الطمث بسبب انخفاض هرمون الإستروجين)، والتاريخ العائلي. لكن العديد من العوامل الأخرى مرتبطة بنمط الحياة ويمكن التحكم فيها بشكل كامل.

الركائز الأساسية للوقاية من هشاشة العظام

1. التغذية السليمة: الوقود الذي تبني به عظامك

العظام تحتاج إلى مغذيات محددة لتبقى قوية:

· الكالسيوم: هو المعدن الأساسي في بناء العظام. يحتاج البالغون إلى حوالي 1000-1200 ملغ يومياً. تتضمن مصادره الغذائية ممتازة منتجات الألبان (الحليب، الزبادي، الجبن)، والخضروات الورقية الداكنة (البروكلي، اللفت)، والسردين والسلمون المعلب مع عظامه، والمكسرات، والأطعمة المدعمة مثل حبوب الإفطار وعصير البرتقال.
· فيتامين د: بدون فيتامين د، لا يستطيع الجسم امتصاص الكالسيوم بشكل فعال. المصدر الرئيسي هو التعرض لأشعة الشمس بشكل آمن (10-15 دقائق عدة مرات أسبوعياً). كما يوجد في الأسماك الدهنية (التونة، السلمون)، وصفار البيض، والأطعمة المدعمة. قد يحتاج الكثيرون إلى مكملات، خاصة في المناطق قليلة الشمس.
· بروتين: يشكل البروتين حوالي 50% من حجم العظام وهو ضروري لصحتها. تأكد من تضمين مصادر بروتينية جيدة مثل اللحوم الخالية من الدهون، والدواجن، والأسماك، والبقوليات، والبيض.
· مغذيات أخرى: المغنيسيوم، البوتاسيوم، وفيتامين K (موجود في الخضروات الورقية) كلها تلعب أدواراً داعمة لصحة العظام.

2. النشاط البدني: التمرين الذي يقوي عظامك

عظامك، مثل عضلاتك، تزداد قوة عندما تضعها تحت ضغط صحي. التمارين الأكثر فائدة هي:

· تمارين تحمل الوزن: وهي التمارين التي تتحرك فيها ضد الجاذبية وأنت واقف على قدميك. مثل المشي، الركض، صعود الدرج، الرقص، والتنس. هذه التمارين تحفز الخلايا البانية للعظم.
· تمارين المقاومة: استخدام الأوزان الحرة، آلات الأوزان، أو أربطة المقاومة يضع ضغطاً مفيداً على العظام والعضلات حولها، مما يزيد من كثافتها. استهدف تمرين جميع المجموعات العضلية الرئيسية مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعياً.

3. تجنب العوامل الضارة

ما تتجنبه لا يقل أهمية عما تفعله:

· التدخين: يدمر خلايا العظام ويعيق قدرة الجسم على امتصاص الكالسيوم. الإقلاع عن التدخين هو أحد أفضل القرارات لصحة عظامك.
· الكحول: الإفراط في تناول الكحول يضعف عملية بناء العظام ويزيد من خطر السقوط. يفضل الاعتدال أو تجنبه.
· المشروبات الغازية: بعض الدراسات تشير إلى وجود صلة بين الاستهلاك المفرط للمشروبات الغازية (خاصة الكولا) وانخفاض كثافة العظام، ربما بسبب استبدالها للمشروبات المغذية مثل الحليب.
· نقص الوزن الشديد: انخفاض مؤشر كتلة الجسم (BMI) عن المعدل الطبيعي يزيد من خطر هشاشة العظام. الحفاظ على وزن صحي يوفر حماية للعظام.

4. الفحوصات الدورية والتقييم الطبي

إذا كنتِ امرأة فوق سن 65 أو رجلاً فوق 70، أو إذا كان لديك عوامل خطر أخرى (مثل كسر سابق أو استخدام أدوية الستيرويد لفترة طويلة)، فاستشر طبيبك حول إمكانية إجراء فحص قياس كثافة العظام (DEXA scan). هذا الفحص البسيط وغير المؤلم يمكنه تشخيص هشاشة العظام أو نقص الكتلة العظمية قبل أن تتطور إلى كسر.

الوقاية في كل مرحلة عمرية

· المراهقة والشباب: هذه هي الفترة الذهبية لبناء "رصيد عظمي" قوي. التركيز على التغذية الغنية بالكالسيوم وفيتامين د وممارسة الرياضة بانتظام سيؤسس لقاعدة عظمية قوية تدوم مدى الحياة.
· منتصف العمر (بعد الأربعين): هنا يكون التركيز على الحفاظ على الكتلة العظمية وإبطاء عملية الفقدان. الاستمرار في النشاط البدني ومراقبة النظام الغذائي يصبح أكثر أهمية.
· كبار السن: الوقاية تركز على الحفاظ على قوة العظام المتبقية ومنع السقوط. إضافة تمارين التوازن (مثل اليوغا أو التاي تشي) إلى الروتين اليومي يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر السقوط والإصابات.

الخلاصة

حماية نفسك من هشاشة العظام هي استثمار طويل الأجل في صحتك وجودة حياتك المستقبلية. إنها رحلة تستند إلى خيارات يومية بسيطة لكنها متراكمة الأثر: تناول طبق من الزبادي، الخروج للمشي تحت أشعة الشمس، صعود الدرج بدلاً من المصعد، والتخلي عن سيجارة. هذه العادات، مجتمعة مع الوعي الطبي والتقييم الدوري، تشكل درعاً واقياً يحمي عظامك من الضعف ويحفظ لك حركتك واستقلاليتك مع تقدمك في العمر. تذكر، لم يفت الأوان أبداً للبدء. حتى إذا بدأت في منتصف العمر أو بعده، فإن تبني نمط حياة صحي للعظام يمكن أن يحدث فرقاً مهماً.

اكتب تعليق

أحدث أقدم